ابن قيم الجوزية
646
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
تمنى الزوال . وللحسد ثلاث مراتب : إحداها هذه . والثانية : تمنى استصحاب عدم النعمة . فهو يكره أن يحدث اللّه لعبده نعمة ، بل يحب أن يبقى على حاله من جهله ، أو فقره ، أو ضعفه ، أو شتات قلبه عن اللّه ، أو قلة دينه . فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب . فهذا حسد على شيء مقدر . والأول حسد على شيء محقق . وكلاهما حاسد ، عدو نعمة اللّه ، وعدو عباده ، وممقوت عند اللّه تعالى ، وعند الناس . ولا يسود أبدا ، ولا يواسى فإن الناس لا يسوّدون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم . فأما عدو نعمة اللّه عليهم فلا يسوّدونه باختيارهم أبدا إلا قهرا يعدونه من البلاء والمصائب التي ابتلاهم اللّه بها . فهم يبغضونه وهو يبغضهم . والحسد الثالث : حسد الغبطة ، وهو تمنى أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه . فهذا لا بأس به ، ولا يعاب صاحبه ، بل هذا قريب من المنافسة ، وقد قال تعالى : 83 : 26 وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ وفي الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه اللّه مالا ، وسلطه على هلكته في الحق . ورجل آتاه الله الحكمة . فهو يقضى بها ويعلمها الناس » فهذا حسد غبطة ، الحامل لصاحبه عليه كبر نفسه ، وحب خصال الخير ، والتشبه بأهلها ، والدخول في جملتهم ، وأن يكون من سبّاقهم وعليتهم ومصلّيهم لا من فساكلهم « 1 » فتحدث له من هذه الهمة المنافسة والمسابقة والمسارعة ، مع محبته لمن يغبطه ، وتمنى دوام نعمة اللّه عليه . فهذا لا يدخل في الآية بوجه ما . فهذه السورة من أكبر أدوية الحسد . فإنها تتضمن التوكل على اللّه ،
--> ( 1 ) الفسكل بوزن قنفذ وذبرج الفرس الذي يجيء في حلبة السباق آخر الخيل .